محمد حسين علي الصغير

47

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الموجهة ، فأنت - والحالة هذه - من القرآن في صورة نابضة بجسد لك المعاني محسوسة ، وتهيئ لك الألفاظ شاخصة ، فتتفجر الحكمة من مكمنها ، ويفلت الابداع من مخبئه ، ويتحقق بذلك التفسير مقترنا بالذائقة الفنية يسرا ودقة وأداء . د - علم الموهبة : وقد رجح السيوطي ( ت : 911 ه ) أن يتمتع المفسر نفسيا بعلم الموهبة ، وهو ليس من العلوم المكتسبة ، ولا من الفنون التعليمية المحصلة ، وإنما المراد به الفيض الرباني والعلم اللدني استنادا إلى قوله تعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 1 » وإليه الإشارة بحديث : « من عمل بما علم ، ورثه اللّه علم ما لم يعلم » « 2 » وهو بهذا علم يورثه اللّه تعالى لمن عمل بما علم . قال السيوطي : « ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول : هذا شيء ليس في قدرة الانسان ، وليس كما طننت من الأشكال ، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد » « 3 » . والسيوطي هنا يدفع الأشكال في كون هذا العلم ليس بمقدور الانسان ، أو من سنخ استطاعته ، ويرى تحصيله ممكنا بركوب الدرب ، وذلك باستخلاص الكمالات النفسية من علم يطابق عملا ، وزهد يقترن بورع ، وتواضع متسم برفق ، فهو يشير إلى ترويض الذات على التهذيب ، وهذا منطلق شرعي صرح به القرآن الكريم في مجال التواضع ودرء التجبر والتكبر ، وصرف علوم القرآن وفهمه عمن عنهم بقوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 4 » . ولعل المراد بعلم الموهبة : الايحاءات التي تعترض خاطر الانسان وتحتشد في ذهنه ، فيصيبها في تفسيره دون تلقيها من أحد ، أو اكتسابها من

--> ( 1 ) الكهف : 65 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان : 4 / 188 . ( 3 ) المصدر نفسه : الجزء والصفحة . ( 4 ) الأعراف : 146 .